أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

141

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قلت : قد تقدم انكار أبي علي ، على جواز إلّا في مثل هذا التركيب ، فكيف يجوز « لَمَّا » التي بمعناها ؟ وأما قراءة ابن عامر وحمزة وحفص ففيها وجوه : أحدها : أنها « إِنَّ » المشددة على حالها ، فلذلك نصب ما بعدها على أنه اسمها ، وأما « لَمَّا » فالكلام فيها كما تقدم من أن الأصل « لمن ما » بالكسر أو « لمن ما » بالفتح أو « لمن ما » بالفتح وجميع تلك الأوجه التي ذكرتها تعود هنا . والقول بكونها بمعنى « إلّا » مشكل كما تقدم تحريره عن أبي علي وغيره . الثاني : قال المازني : « إن » هي المخففة ثقلت وهي نافية بمعنى « ما » كما خففت « أن » ومعناها المثقلة ، و « لَمَّا » بمعنى « إلّا » . وهذا قول ساقط جدا لا اعتبار به ، لأنه لم يعهد تثقيل « إن » النافية ، وأيضا ف « كلّا » بعدها منصوب ، والنافية لا تنصب . الوجه الثالث : أن « لَمَّا » هنا هي الجازمة للمضارع ، حذف مجزومها لفهم المعنى . قال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب في أماليه : « لمّا هذه هي الجازمة فحذف فعلها للدلالة عليه ، لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم : « خرجت ولمّا ، وسافرت ولمّا » ، وهو سائغ فصيح ، فيكون المعنى : وإن كلّا لمّا يهملوا أو يتركوا ، لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين بقوله : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ، ثم فصل الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ، ثم بين ذلك بقوله : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ . قال : وما أعرف وجها أشبه من هذا ، وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أنّ مثله لم يرد في القرآن ، قال : « والتحقيق يأبى استبعاده » . قلت : وقد نصّ النحويون على أنّ « لَمَّا » يحذف مجزومها باطراد ، قالوا : لأنها لنفي قد فعل ، وقد يحذف بعدها الفعل كقوله : 2746 - أفد التّرحّل غير أنّ ركابنا * لمّا تزل برحالنا وكأن قد « 1 » أي : وكأن قد زالت ، فكذلك منفية ، وممّن نصّ عليه الزمخشري ، على حذف مجزومها وأنشد يعقوب على ذلك في كتاب معاني الشعر قول الشاعر : 2747 - فجئت قبورهم بدأ ولمّا * فناديت القبور فلم يجبنه « 2 » قال : قوله : بدأ ، أي : سيدا . وبدء القوم سيّدهم ، وبدء الجزور خير أنصبائها وقوله : « ولما » أي : ولم أكن سيدا إلّا حين ماتوا ، فإني سدت بعدهم ، كقول الآخر : 2748 - خلت الدّيار فسدت غير مسوّد * ومن الشّقاء تفرّدي بالسّودد « 3 » قال : ونظير السكوت على « قد » دون فعلها في قول النابغة : 2749 - أفد التّرحّل . . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . البيت « 4 » قلت : وهذا الوجه لا خصوصية له بهذه القراءة ، بل يجيء في قراءة من شدد « لَمَّا » سواء شدد « إِنَّ » أو

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم .